ابن الجوزي

119

بستان الواعظين ورياض السامعين

ذلك القرطاس ويناوله قلما ويقول له : اكتب جميع ما عملت في عمرك الذي وجبت عليك فيه الحدود من خير وشر فيأخذ الميت القلم فيكتب وإن لم يكن في الدنيا كاتبا ، فإن كان العبد من أهل السعادة فأول ما يجري القلم بيده بإذن اللّه تبارك وتعالى : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لأن بسم اللّه الرحمن الرحيم لا تكون في كتاب الشقاوة وإنما تكون في كتاب أهل الإيمان والسنة والأمان والغفران لأن بسم اللّه الرحمن الرحيم هي آية الإيمان وهي إخبار عن رحمة اللّه ولطفه جل جلاله يا أهل السنة من هذه الأمة ، فإذا ثبت العبد في كتابة بسم اللّه الرحمن الرحيم فقد أمن في قبره من العذاب والضيقة . [ 200 ] البسملة وبركتها وإذا لم يثبت في كتابه بسم اللّه الرحمن الرحيم فقد حلّ به العذاب في قبره . فإذا كتب العبد ما عمل من خير وشر شقيا كان أو سعيدا ، يطوي الملك الكتاب ويعلقه في عنقه . فإذا خرج العبد من قبره يوم القيامة جاءه ذلك الملك فأخذ الكتاب وناوله إياه وقال : يا ولي اللّه أو يا عدو اللّه أتعرف هذا ؟ فيقول : نعم أنا كتبته ، وأنا عملته ، فيقول له : فاقرأه فيستقبله منه ما سبق له من سعادة أو شقاوة . فاللّه اللّه معشر المذنبين مثلي المؤمنين لا تضيعوا أيامكم بالقبائح ، ولا تهملوا أعماركم في الذنوب والفضائح ، فإن جميع أعمالكم قد حصيت عليكم في الصحائف الصحائح ، وستقرؤوها بين يدي مولاكم وتشهد عليكم الجوارح ، بالقبيح والحسن من أعمالكم . وأنشدوا : سوف يأتي عليك ساعة خوف * حين تعطى صحائف الأعمال وكأنّي أرى فضائح قوم * قد تجلى لكشفها ذو الجلال ليت شعري إذا قرأت كتابي * بيميني أعطاه أم بشمالي [ 201 ] حكاية عن عيسى عليه السلام روي عن محمد بن اللباد رحمه اللّه أنه قال : دخل عيسى بن مريم صلى اللّه عليه وسلم وعلى نبينا محمد مدينة خربة فدخل قصرا من قصورها فنادى ، يا خراب الأخر بيّن أين أهلك وعمّارك ؟ فأجابه شيء من آخر القصر : يا ابن مريم بادوا وسيعودوا . فاجتهد يا أخي لا تفرّط فإن العظام قد بليت وبقيت أعمالهم في رقابهم . وأنشدوا :